تقارير و مقالات

يدٌ تمدُّ يدا: قصة الحراك الاجتماعي الممكن في السودان

الحراك الاجتماعي ليس مؤتمراً صحفياً

من يمد يده لا يصافح فقط… بل يكتب مستقبلاً بيديه
  • الحراك الاجتماعي الحقيقي لا يحتاج إلى بيانات رسمية

بقلم د. نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي

في بلادنا التي أرهقت مواطنها الحربُ، وطالت مؤسساتِها يدُ التخريب، نحتاج أكثر ما نحتاج عطاء وافرا وصبورا وعظيم النتائج، وهذا ما يمكن أن ينتجه الحراك الاجتماعي.

مفهوم الحراك الاجتماعي

الحراك الاجتماعي ليس مجرد تغيير في الأوضاع السياسية أو الاقتصادية، بل هو تفاعل إنساني يومي يبدأ بلقاء بسيط، ويمتد ليشمل مجتمعاً بأكمله.

إنه القدرة على تحويل الخوف إلى ثقة، والعزلة إلى تواصل، والتردد إلى فعل جماعي، الحراك الحقيقي لا يصنعه القادة فقط، بل تصنعه أيادٍ تمتد بالخير والعطاء، فتحدث فرقاً قد لا تراه العيون لكنه يغير واقع الناس.

في هذا المقال، نستكشف كيف يمكن لكل واحد منا أن يكون نواة الحراك الاجتماعي الحقيقي، يبدأ بيد تمد يداً.

تخيل معي هذا المشهد: يدٌ تمد يداً أخرى. بسيطة هي الصورة، لكنها تحمل في طياتها معجزة إنسانية حقيقية.

في تلك اللحظة التي تلتقي فيها الأيدي، يتحول الخوف إلى ثقة، والوحدة إلى شراكة، والتردد إلى فعل.

هذه الصلة الإنسانية البسيطة هي ما يصنع الأمم، ويبني الحضارات، ويحرك عجلة التاريخ، فهل نجرؤ على تخيلها؟ والأهم، هل نجرؤ على تحقيقها؟

الحراك الاجتماعي
الاتحاد قوة تجعل الشتات من دروس الماضي

لماذا تتردد أيدينا عن الامتداد إلى بعضها؟

في أيدينا قدرة هائلة على البناء والعطاء، لكنها تبقى مشلولة إن لم نتحرر من مخاوفنا المزمنة:

· خوف من الرفض: ماذا لو مددت يدي ولم يمد أحد يده إلي؟
· خوف من سوء الظن: ماذا لو ظن الآخرون أن لي مصلحة خفية؟
· خوف من الفشل: ماذا لو بدأنا معاً ثم تفرقنا؟
· خوف من المجهول: ماذا لو قادنا هذا اللقاء إلى حيث لا نعلم؟

هذه المخاوف حقيقية، لكنها ليست قدراً. يمكن تجاوزها، لكن ليس بالانتظار، بل بالبدء ولو بخطوة صغيرة، فاليد التي تتردد اليوم، هي ذاتها التي قد تنقذ غداً.

قصص صغيرة… تحولات كبيرة

لن أتحدث عن ثورات كبرى أو حركات عظيمة، سأتحدث عن شيء أبسط:

جاران في عمارة واحدة، لم يتبادلا التحية لسنوات، ذات يوم، تعطل المصعد فاضطرا للسير معاً على الدرج، تلك الدقائق القليلة كانت كافية ليكتشفا أنهما يشتركان في حب القراءة، فاتفقا على تبادل الكتب، الآن، هناك “نادي كتاب” مصغر في العمارة كلها.

مجموعة أمهات في حي شعبي، كن يشتكين من عدم وجود مكان آمن لأطفالهن للعب، لم ينتظرن البلدية، بل اجتمعن ونظفّن قطعة أرض مهملة، وبعض الآباء صنعوا أرجوحة بسيطة، اليوم، هذا المكان هو قلب الحي النابض!.

شاب اعتاد الجلوس في مقهى، لاحظ أن النادل يعاني من صعوبة في فهم الفواتير بسبب ضعف قراءته، عرض عليه مساعدته في تعلم القراءة والكتابة بعد ساعات العمل، بعد عام، لم يعد ذلك النادل نادلاً فحسب، بل أصبح مسؤولاً عن إدارة المقهى.

في كل قصة، كان السر واحداً: يد امتدت بلا تردد، فوجدت أيدياً أخرى في الانتظار. هذه ليست حكايات خيالية، إنها نماذج حقيقية تمشهد الحراك الاجتماعي الذي يبدأ بيد تمد يداً.

ما الذي يمنعنا من تكرار هذه القصص؟

نحن لا نفتقر إلى الرغبة في الخير، لكننا نفتقر إلى شيء واحد: الثقة. ثقة بأن مبادرتنا ستلقى قبولاً، ثقة بأن الآخرين سيقدرون جهودنا، ثقة بأننا معاً يمكننا صنع فرق.

وهذه الثقة لا تُصنع في المختبرات، ولا تُفرض بالقوانين، إنها تنمو ببطء، مع كل تجربة تواصل ناجحة، مع كل يد تمد يداً وتجد يداً أخرى في انتظارها، الثقة تولد كلما مددنا أيدينا فلم نجدها وحدها، فينمو الحراك الاجتماعي تلقائيا وصادق النتائج.

الحراك الاجتماعي ليس مؤتمراً صحفياً

دعني أوضح أمراً: الحراك الاجتماعي الحقيقي لا يحتاج إلى بيانات رسمية، ولا إلى منصات كبرى، ولا إلى تمويلات ضخمة. كل ما يحتاجه هو:

· نظرة مختلفة للآخر: أن ترى في من حولك شركاء محتملين، لا غرباء.
· مبادرة فردية: أن تبدأ أنت، دون انتظار أحد.
· تسامح مع النقص: أن تقبل أن البدايات ستكون صغيرة ومتواضعة.
· صبر جميل: أن تدرك أن بناء الثقة يحتاج وقتاً.

الحراك الحقيقي لا يُعلن في البيانات، بل يُبنى بيد تمد يداً، كل يوم، في كل مكان.

الحراك الاجتماعي
عندما يكون الجميع معنيون بالمستقبل، يعملون جميعا من أجله

أنت بطل هذه القصة

هل تذكرون تلك الأيدي التي ترددت في البداية؟ كل قصة من القصص السابقة بدأت بلحظة شجاعة، بلحظة اختار فيها شخص ما أن يمد يده رغم كل المخاوف. والآن، حان دورك.

كل واحد منا يملك القدرة على أن يكون بطل قصة حقيقية. قصة تبدأ بلحظة شجاعة: أن تمد يدك لأول مرة.

· ربما تكون تلك اليد التي ستمسح دمعة طفل جائع.
· ربما تكون تلك اليد التي ستعلم أمياً حرفاً.
· ربما تكون تلك اليد التي ستصافح عدواً قديماً.
· ربما تكون تلك اليد التي ستكتب كلمة حق في وجه ظلم.
· ربما تكون تلك اليد التي ستبني جسراً بين قلوب تباعدت.

لا يهم كيف ستبدو تلك اليد. المهم أن تمدها. المهم أن تبدأ.

الحراك الاجتماعي
تعظيم الإنتاج لا بد من أن يتبعه تعظيم قيمة الفرد السوداني

لأننا نحن التغيير

لن نخدع أنفسنا بالانتظار. لن ننتظر “المخلص” الذي سيأتي لينقذنا. لن ننتظر “الظروف المناسبة” التي قد لا تأتي أبداً.

الحراك الاجتماعي الممكن يبدأ منك، مني، منا جميعاً. يبدأ حين ندرك أن اليد التي تمد يداً لا تصافح فقط، بل تبني وطناً.

يدٌ تمد يداً… هذا هو الحراك.
يدٌ تمد يداً… هذا هو الأمل.
يدٌ تمد يداً… هذه هي البداية.

لأن من يمد يده لا يصافح فقط… بل يكتب مستقبلاً بيديه.

فهل تمد يدك اليوم؟

د. نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي
كاتبة وباحثة في الشأن الاجتماعي

بواسطة
د. نجلاء عبد المحمود
المصدر
خاص: شبكة أسبالتا الإخبارية

أسبالتا

شبكة أسبالتا الإخبارية (Aspalta News)، منصتكم الأولى لمتابعة آخر أخبار السودان اليوم على مدار الساعة. نقدم تغطية شاملة وموثوقة للأحداث السياسية، الاقتصادية، الرياضية، والثقافية، بالإضافة إلى تقارير حصرية وتحليلات معمّقة تساعدكم على فهم المشهد السوداني والعالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى